واصف جوهرية
19
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
وفي ظهيرة ذات يوم من أيام تموز عندما كانت هذه العائلة البائسة تتناول طعام الغذاء في الغرفة السفلى وفيها بئر الماء ، وإذ دخل شحادة وورائه العتال يحمل ما جلبه شحادة من إفريقيا ، وقال بأعلى صوته ( عزيزة عزيزة وين يفسخ العتال ؟ ) فعندما سمعوا صوت ولدهم جن جنونهم من الفرح وكان وكأنه قادما من محلة باب العامود في غرض ما ولم يسلم أو يقبل أيادي والديه ويعرفهم بقدومه قبل كل شيء ، حسب عادة المسافرين والغياب . قام كل منهم من على الأرض متسائلين شحادة شحادة وهو يجيب نعم شحادة ولكن أين يفسخ العتال ؟ وهكذا أشبعوه من القبل وبدأوا بالزغاريت ، وأصبح حادث رجوع شحادة لدى كل منا حادث فريد خالد . صداقتنا المتينة مع الجيران كانت حياتنا مع الجيران مرحة وبدون كلفة وكنا نعامل بعضنا معاملة الأخ فمثلا من عمل شيء بالفرن مثل لحم وعجين أو مردد أو صينية سبانخ أو حلوى وجب عليه أن يبعث قليلا منها إلى الجيران لأجل أن يذوقوا تلك الأكلة من الرائحة ، وعندما يكون فرح خطوبة أو عرس جميع الجيران تكون مجتمعة وكأنها عائلة واحدة في الطهي والأكل والشرب حتى والسكر ، فكان سليم فاشة مشهورا في لعبة ما يسمونها " الصينية " وهي لعبة والحق يقال بأنها جميلة . ثم الأعياد الرسمية وما كان أكثرها في تلك الدار ، نبدأ بعيد مار « 1 » يعقوب ( يعقوب فاشة ) ، في 23 تشرين الأول من السنة فتجتمع أفراد كل عائلة من العائلات وتقش الدار بأكملها الدهليز والدرج المؤدي إلى الساحات السماوية وإلى قاع الدار ثم الدرج لبيت والدي في الطابق الثالث . ويعاد تنظيف الدار ، وفي 3 تشرين ثاني من السنة بمناسبة عيد مارجرجس وهو عيد المرحوم والدي جرجس جوهرية ، ثم ميخائيل فاشة ، في 8 تشرين ثاني وأخيرا ، عيد القديس ديمتري وهو عيد متري عبد اللّه المنى وهنا في هذا العيد ترى الدار ترقص فرحا لأن أقرباء متري المذكور كثيرة جدا والحمد للّه ، فهناك عائلة عنصرة وعلوشية وجوزي وتيودوسي ومنصور وفتالة وخنوف وشبر وزخريا وقرط وحرامي ونظرا لأن متري وحيد في العائلة فكانوا يعملوا له " السماط " إما لبنية أو عدس مع الرقاق فكانت جميع هذه العائلات تتناول الغذاء في الدار فهناك منظر جميل وكنت أنا وإخواني وبعض الأولاد نحمل بعض الصحون من السماط ونأخذها إلى حبس الدم لإطعام المحبسين والمحبوسين هناك كما كانت العادة في ذلك الزمن . كانت الرجال تغني طيلة النهار وإلى منتصف الليل وكانت فرقة موسيقية من هواة الفنانين في ذلك الوقت وهم أقرباء وأصدقاء جارنا متري المنى " مؤلفة من متري قسطندي المنى ، وصاحبه قسطندي الصوص " وكان كل منهم له صوت جميل وعال وحنون ، ثم متري الزائر يعزف على الفلوت ثم عيسى الصوص ضارب الدربكة أو النقارة وبالحق كانت فرقة هواة جميلة اكتسبت منها أساس الغناء كما سيجيء البحث عن هذا الموضوع في حينه من هذا الكتاب . وكانت السيدات تزغرت [ تزغرد ] وكان العيد لا يقل عن حفلة عرس واللّه يشهد ، وهكذا كانت الدار تحتوي على جميع أصناف اللهو والطرب شريطة أن كل واحد من
--> ( 1 ) مار : أي قديس وجرت العادة لدى المسحيين أن يسموا أبنائهم الذين يولدون في أيام الأعياد نسبة إلى القديس صاحب العيد .